الآلوسي
495
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
لأن جميع الأشياء مرايا لتجليه جل جلاله وذلك لأن في التسبيح والحمد توجها بالذات لجلال الخالق وكماله ، وفي الاستغفار توجها بالذات لحال العبد وتقصيراته ويجوز أن يكون تأخير الاستغفار عنهما لما أشرنا إليه في مشروعية تعقيب العبادة بالاستغفار وقيل في تقديمها عليه تعليم أدب الدعاء وهو أن لا يسأل فجأة من غير تقديم الثناء على المسؤول منه . إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً أي منذ خلق المكلفين أي مبالغا في قبول توبتهم فليكن المستغفر التائب متوقعا للقبول فالجملة في موضع التعليل لما قبلها ، واختيار تَوَّاباً على غفارا مع أنه الذي يستدعيه استغفره ظاهرا للتنبيه كما قال بعض الأجلّة على أن الاستغفار إنما ينفع إذا كان مع التوبة . وذكر ابن رجب أن الاستغفار المجرد هو التوبة مع طلب المغفرة بالدعاء والمقرون بالتوبة فأستغفر اللّه تعالى وأتوب إليه سبحانه هو طلب المغفرة بالدعاء فقط . وقال أيضا : إن المجرد طلب وقاية شر الذنب الماضي بالدعاء والندم عليه ووقاية شر الذنب المتوقع بالعزم على الإقلاع عنه وهذا الذي يمنع الإصرار كما جاء : « ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة ، ولا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار » . والمقرون بالتوبة مختص بالنوع الأول فإن لم يصحبه الندم على الذنب الماضي فهو دعاء محض ، وإن صحبه ندم فهو توبة انتهى . والظاهر أن ذلك الدعاء المحض غير مقبول وفيه من سوء الأدب مع اللّه تعالى ما فيه . وقال بعض الأفاضل إن في الآية احتباكا والأصل واستغفره إنه كان غفارا وتب إليه إنه كان توابا وأيّد بما قدمناه من حديث الإمام أحمد ومسلم عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها وحمل الزمان الماضي على زمان خلق المكلفين هو ما ارتضاه غير واحد . وقال الماتريدي في التأويلات : أي لم يزل توابا لا أنه سبحانه تواب بأمر اكتسبه وأحدثه على ما يقوله المعتزلة من أنه سبحانه صار توابا إذ أنشأ الخلق فتابوا فقبل توبتهم ، فأما قبل ذلك فلم يكن توابا . وردّ عليه بأن قبول التوبة من الصفات الإضافية ولا نزاع في حدوثها . واختار بعضهم ما ذهب إليه الماتريدي على أن المراد أنه تعالى لم يزل بحيث يقبل التوبة ومآله قدم منشأ قبولها من الصفات اللائقة به جل شأنه وفي ذلك مما يقوي الرجاء به عزّ وجل ما فيه . وصح « لو لم تذنبوا لذهب اللّه تعالى بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم . وفي الاستغفار خير الدنيا والآخرة » أخرج الإمام أحمد من حديث عطية عن أبي سعيد مرفوعا : « من قال حين يأوي إلى فراشه أستغفر اللّه الذي لا إله إلّا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر ، وإن كانت مثل رمل عالج ، وإن كانت عدد ورق الشجر » . وأخرج أيضا من حديث ابن عباس : « من أكثر من الاستغفار جعل اللّه تعالى له من كل هم فرجا » . وأنا أقول سبحان اللّه وبحمده أستغفر اللّه تعالى وأتوب إليه وأسأله أن يجعل لي من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا بحرمة كتابه وسيد أحبابه صلّى اللّه عليه وسلم .